كتب مجموعة من الصحافيين على موقع أندبندت عربية عن ظاهرة تكشف عوار الرأي والحوار في المجتمعات والاتهام بالخيانة والتي انتشرت في الجزائر والأحزاب العراقية وتم أتخاذ منصات التواصل الإجتماعي عبر الإنترنيت أداة سياسية للتزييف وانقسامات لبنان تنعكس على منصاتها.

وضمن مقال طويل غني بالحوار ووجهات النظر، أقطعت شبكة انسم المعلومات الواردة في المقال فيما يخص العراق ولمن يريد الغوص بكامل التفاصيل عن باقي البلدان العربية فستجدون المصدر الأساس في نهاية التدوينة هذه.

كرنفال يصور قاضيا ممسكا بذيل كائن فضائي مكتوب عليه فيبسوك وتطرف وكراهية واندفاع (أ ف ب)

وسائل التواصل الاجتماعي في العراق للتشهير والكراهية

على الرغم مما حققته وسائل الإعلام الحديثة من اختصار المسافات وتسليط الضوء على قضايا لم تكن تتداول في الوسائل التقليدية، فإنها في جانب آخر أصبحت وسيلة لإثارة الكراهية والتعصب، عبر جيوش إلكترونية حزبية حاضرة باستمرار لكي تشهر سلاحها أمام من يختلف عنها في الرأي.

يصف كرم نعمة الكاتب ومدير تحرير صحيفة “العرب” اللندنية، مواقع التواصل الاجتماعي بـ”مسدس غير مرخص بيد أكثر من ثلاثة مليارات مستخدم”، مشيراً إلى أنها “مسدسات لا تجيد لغة الحوار، فـ”فيسبوك” مهمته المعلنة جعل العالم متصلاً مع بعضه وأكثر انفتاحاً، لكن مثل هذا العنوان الفضفاض يمارس بالفعل ضغوطاً كبيرة على طبيعة حياة الإنسان المعاصر. لأن هذه الشركة دولة رقمية عظمى مارقة تضم أكثر من ملياري مستخدم خارجين عن السيطرة”.

وذكّر نعمة بتعبير المخرج جيف أورلوفسكي بأننا جميعاً وقعنا “صفقة الشيطان” مع منصات العالم الافتراضي، وهو نموذج عمل وحياة غير طريقة تفكير وسلوك الإنسان المعاصر، عندما صار يعيش واقعاً افتراضياً متخلياً عن الطبيعة التاريخية السليمة للتواصل في المجتمع.

ولا يرفض نعمة التجربة الحية التي يقدمها الإنترنت للبشرية، لكن حفلة الفوضى المستمرة على مواقع التواصل التي تديرها “جيوش من الحمقى”، وفق تعبير الروائي الإيطالي الراحل أمبرتو إيكو، تحول الصداقة إلى فكرة بغيضة، والحوار إلى مجرد صراخ مستمر.

من دون تدقيق

من ناحيتها، ترى مينا العريبي رئيسة تحرير صحيفة “ذا ناشيونال” أنه في السابق كان من الممكن أن يكون هناك شخص مزعج أو حتى مختل في الميدان العام للمدينة يجلس ويصرخ على المارة، ولا يبالون به. اليوم، الشخص نفسه يمكن أن يصرخ عبر “تويتر” ويُتناقل صراخه وتوجيهه مباشرة إلى أي شخص. بالطبع هناك عامل آخر، وفق العريبي، وهو أن الإنسان في طبيعته يبحث عمن يتفق مع رأيه كي يقوي حجته، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مرجعاً للحصول على هذه الآراء خلال ثوان من دون التدقيق في صحتها.

لغة الإقصاء

على الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي تتيح معرفة الرأي الآخر، لكن الواقع يسير عكس ذلك. توضح الإعلامية ذكرى نادر، أن التجربة المجتمعية الحالية في العراق تظهر بشكل مثير للقلق النقص الحاد في معنى تقبل هوية المختلف، سواء كان هذا الاختلاف في الجنس أو في الدين والمعتقد وحتى في أسلوب الحياة “فالصفة الغالبة علينا حالياً هي التشنج وعدم إتاحة الفرصة للمناقشة أو الاستماع”.

توضح نادر، “نحن نتاج حروب طويلة، وأزمتنا الحقيقية تكمن في ارتفاع لغة البطش والاستقواء والإقصاء والعدوانية وتهميش المختلف بغض النظر عن قيمة وجودة اختلافه. ومن هنا، نستطيع تأطير مصير المختلف بأنه الضحية القادمة، فهو فريسة محتملة، حتى لو اقتصر اختلافه على أمور مظهرية كقصة شعر حديثة أو طريقة لباس، أو أسلوب حياة مغاير. إذ يمكن لركوب دراجة هوائية من قبل بعض الفتيات أن يتحول من حرية شخصية إلى مأزق اجتماعي يعامل على أنه شذوذ أخلاقي مستنكر يستحق العقوبة”.

يسعى كثير من رواد الإنترنت إلى فرض الرأي الواحد على الجميع والمخالفون نصيبهم السب والتخوين  (غيتي)

غياب ثقافة الحوار

أما الصحافي الاستقصائي معن الجيزاني فيمضي في تأكيد غياب ثقافة الحوار بالعراق، إذ يخوض المتخاصمون عادة في أمور وقضايا شخصية ولا أحد يناقش في المضمون. ويوضح أن “التخوين والإلغاء هما كلمة السر السهلة التي يحفظها معظم الناس ويتراشقون بها صباح مساء، والسبب هو ثقافة الإلغاء التي رسختها الممارسة السياسية في العراق منذ 60 سنة، وحتى الآن”.

بدوره، أرجع حيدر مزهر يعقوب الجوراني الباحث في علم النفس الاجتماعي والسياسي هذه الثقافة إلى غياب مفاهيم حقوق الإنسان، التي لا تزال تفتقر إلى متبنيات نفسية في المجتمع العراقي، “لذلك نجد أن تقبل الرأي المغاير أو المخالف هو مساس بما هو غير قابل للنقاش. ومن هنا، ينزع الفرد إلى سلوك عدواني لفظي أو معنوي، هو نبذ الرأي الآخر أو طمس معالمه أو تخوينه كآلية دفاعية نفسية”.

من جانبها، أوضحت الباحثة في الإعلام الجديد بلسم مصطفى، أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تكون سيفاً ذا حدين تبعاً لطريقة استخدامها. فالخطاب غير المسؤول أو الموزون قد يسهم في تأجيج مشاعر الكراهية والتعصب. وفي العراق، وفق مصطفى، “لطالما أسهمت خطابات المسؤولين في إثارة الطائفية”، لكنها ترى أن الخطاب الطائفي “له في الغالب خطاب مضاد وواع ومسؤول يتصدى للتحريض”.

وتوضح نادر أن منصات التواصل الاجتماعي أصبح لها على الصعيد السياسي مهمات وإستراتيجيات وجيوش إلكترونية تعمل وفق توجيهات معينة. وتضيف “في الغالب، أجد أن المنصات ابتعدت عن هويتها القديمة، متحولة إلى تناحر اجتماعي وعرقي، واستخدمت هذه المنصات لإشاعة التسطيح الفكري وبث روح الكراهية والفضائح. والأكثر حراجة، أنها تستعمل للتشهير بالآخرين، ولنا في ما يحدث للناشطين المدنيين مثال ساطع. فالجيوش الإلكترونية المدعومة من قبل الأحزاب والميليشيات تقود حملات شرسة مهمتها تشويه شباب ثورة أكتوبر (تشرين الأول) العراقية والإساءة إلى الفتيات والتشهير بهن. لكن ما يثير التفاؤل هو أن هذه الهجمات المشينة تجد أحياناً رداً شعبياً وأخلاقياً مناسباً يلجمها”.

رواد وسائل التواصل الاجتماعي أساءوا الاستخدام الرشيد لمنصاتها  (أ ف ب)

في مواجهة الحرب

تقول نور القيسي، مدونة، التي غالباً ما توجه انتقاداتها للسلطة السياسية عبر فيديوهات تبثها عبر منصات التواصل، إن “دور الأخيرة لا يختلف عن الإعلام المرئي والمقروء”، مشيرة إلى أن “التأجيج يكون دائماً لصالح من يملك المال، أي الأحزاب والميليشيات، التي تتحكم بأسطول من الإعلاميين”.

وتوضح القيسي أنها غالباً ما تتلقى اتهامات غير أخلاقية، لأنها تنتقد كل المشاركين في العملية السياسية “المتساوين في الفساد”.

من جانبه، يرى وعد الأمير أستاذ علم الاجتماع في جامعة الموصل، أن الرأي العام اليوم يصنع في مطابخ الإعلام، ويروج في أسواق التواصل الاجتماعي. “ومن يصنعه هم مثقفو المصلحة ويروجه غوغائيو الإعلام، ويستقبله أميو التواصل الاجتماعي”. لكن محاولات ظهور رأي عام حقيقي في البلاد تتعرض غالباً، وفق الأمير، “للسرقة والتحريف والاتهام بالعمالة والخيانة”.

وفي الإطار نفسه، يرى الجوراني أن “دور النخبة في مجتمعنا هش ولا يؤدي دوراً فاعلاً في صناعة الرأي العام. وفي مقابل هذا الغياب، يفتح المجال لمن يسمون “الغوغاء”، وهم فئة مستضعفة قابلة للاستغلال الفكري والسياسي، للعب دور في تشكيل أو صناعة رأي عام مزيف، يصب في مصلحة صاحب القرار السياسي أو صانعه”. يضيف، “من هنا، أتت فكرة بناء الجيوش الإلكترونية كوسيلة سهلة وسريعة التأثير في صناعة رأي عام مزيف بتحريف وتشويه الرأي العام الحقيقي”.

يوضح الصحافي والأكاديمي علي خلف، أن هناك ماكينات في العراق تتلاعب بالرأي العام، مستغلة وسائل التواصل الاجتماعي. ويؤكد أن “المثقفين ليس لهم أي دور في صناعة الرأي العام، لأن الشارع لا يعرفهم ولا يقرأ لهم”.

غياب الانتماء الوطني

يرى سهيل العيسى الأستاذ في كلية الإعلام بجامعة تكريت، أن “تصاغر الانتماءات (من الوطن إلى الطائفة والمذهب إلى المنطقة والحزب) يؤدي إلى تقوقع الشخص داخل طائفته ومذهبه، ويصبح سلوكه عدوانياً وغير منضبط تجاه من يخالفه الرأي أو الانتماء الديني”. ويشير إلى افتقاد العراق “ثقافة الحوار وتقبل الرأي الآخر إذا كان لا يناسب توجهاتنا الفكرية والثقافية”.

يوضح العيسى، أن “تصاغر الانتماءات ليس جديداً على العراق، لأن العراقيين لم يشهدوا حكماً قوياً يعزز ثقافة الانتماء للدولة”، موضحاً أن “سلطة البعث نجحت في خلق روح مركزية وليست وطنية، لكن سرعان ما بدأت بالتشظي بعد عام 1991، لأن عقد الترابط بين الدولة والمواطن حل بسبب الفقر”.

ويوضح الجيزاني أن تضخيم الهويات الفرعية جزء من إستراتيجية سياسية استخدمتها أحزاب السلطة لاحتكار المشهد السياسي. لكنه يرى أن “هذه الأحزاب فقدت قبولها لدى الشارع العراقي بسبب فشلها في الإدارة وتورطها في الفساد، وبالتالي لم يعد هناك تأثير للدعاية الطائفية والقومية ولكل الهويات الفرعية، والدليل على ذلك احتجاجات أكتوبر وإسهامها في إعادة روح الهوية الوطنية العراقية الجامعة وعلى نحو مثير للانتباه”.

استغلت مواقع التواصل الاجتماعي للتحريض على المحتجين في العراق (غيتي)

مساحة للحوار

يقول المدون العراقي “حمزوز” إن “الاصطفافات الأيديولوجية التي تعمق نفي الآخر وقتية وليست دائمة”. ويعتقد أن هذه الاصطفافات برزت بسبب الخوف والاستقطاب الطائفي والتوتر السياسي والصراع الإيراني- الأميركي. ويرى، أن “فرص الالتقاء موجودة، لكن ما نحتاجه هو المزيد من مساحات الحوار المستمر والابتعاد عن الشخصنة والاقتراب من المصالح المشتركة والمصلحة العليا”.

وترى بلسم مصطفى أن المثقف تقع عليه المسؤولية في التواصل مع عموم المواطنين من خلال النقاش والحوار وتبادل الأفكار، ولا بد من استثمار وسائل التواصل الاجتماعي لخلق التغيير، قائلة إن “الباحث الأكاديمي يجب ألا يكتفي بنشر إسهاماته الفكرية بين الأوساط الأكاديمية، بل عليه أن يتداولها بين عامة الناس بأسلوب سلس ولغة مبسطة كي يفتح المجال لإثارة النقاش حول القضايا المهمة في الحقول والمجالات كافة”.

المصدر: اندبندنت عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *